مقالات وأبحاث تنموية
د صالح العلي
علاقة الإنسان بالموارد الطبيعية
د صالح العلي

خلق الله عز وجل الإنسان، وزوّده بالقوى والطاقات، التي تمكنه من استخدام ما سخر الله له من الموارد الطبيعية. ولقد شاء الله ألا توجد هذه الموارد كلها في الطبيعة جاهزة للاستهلاك المباشر، لكي يجدَّ الإنسان ويجتهد في طلب الرزق.
وهكذا نجد أن جميع الموارد الطبيعية لن تستطيع أن تثمر شيئاً إلا بجهد الإنسان.
إن الإنسان المسلم تتحدد علاقته بالبيئة الطبيعية من خلال أربعة معايير:
الأول: أن البيئة الطبيعية هي أساس الحياة.
الثاني: أنها مصدر للثروة والإنتاج والتنمية، ومسخرة له.
الثالث: أنها نعمة من نعم الله عز وجل، قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)  [التكاثر: 8].
الرابع: وهو مأمور بشكر هذه النعم. قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة: 172]. وبناءً على تلك المعايير حدد الاقتصاد الإسلامي علاقة الإنسان بالبيئة، ودعاه ليتعامل معها على وفق سنن وآداب وقوانين منظمة.
أولاً- حماية البيئة الطبيعية والحفاظ عليها:
إن الله عز وجل قد استخلف الإنسان في هذه الأرض وسخر له كل المخلوقات لينتفع بها، إلا أن الله عز وجل حماية لهذه المخلوقات وحفاظاً على التوازن البيئي لم يجعل الإنسان مطلق التصرف، بل جعل تصرفه بهذه المخلوقات مقيداً بعدة ضوابط ... فنهى الإنسان عن أن يسعى في الأرض فساداً، ونهاه عن الإسراف في استهلاك الموارد الطبيعية.
وقد تكفل الله عز وجل بحفظ النوع والسلالة لجميع المخلوقات، فقد ذكر الله عز وجل في مواضع عدة من القرآن الكريم أنه خلق من كل شيء زوجين، ذكراً وأنثى، لضمان عملية التناسل والتكاثر والبقاء، قال تعالى: (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [الذاريات: 49]. وكانت بداية حفظ النوع والسلالة في قصة الطّوفان التي حدثت في عهد نبي الله نوح عليه الصلاة والسلام، حيث أمره الله عز وجل أن يصنع الفلك، وأن يحمل معه فيها من كل زوجين اثنين، قال تعالى: (حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ) [هود: 40].
وقد نهجت السنة النبوية منهجاً خاصاً في الحفاظ  على هذه البيئة وحمايتها، تمثل هذا المنهج في حثّ الرسول صلى الله عليه وسلم  المسلمين على الاهتمام بأساسيات التنمية الاقتصادية؛ كالغرس والزرع ، وذلك بأن ربط الغرس والزرع بالأجر، وجعل غرس الأشجار صدقة جارية، قال الرسول  صلى الله عليه وسلم: « سَبعٌ يجري للعبد أجرُهُنَّ وهو في قبرٍهِ بعد موتِهِ مَن عَلَّمَ عِلْماً، أو كَرَى نَهْراً , أو حفر بئراً ، أو غرسَ شجرةً، أو بنى مِسْجِداً، أو وَرَّثَ مُصْحَفَاً، أوترك ولداً يستغْفِرُ له بعدَ موتِهِ ».
وكذلك اهتمت السنة النبوية بالحيوانات وحمايتها وحسن معاملتها؛ لأن هذه الحيوانات مسخرة لفائدة الإنسان، وفي نفس الوقت خلقها الله عز وجل لتؤدي وظيفتها في الحياة إلى جانب الإنسان.
واهتمت السنة النبوية بنظافة هذه البيئة، وكيفية الحفاظ عليها حتى نحيا في بيئة سليمة من الأمراض والأوبئة. وقد نهى النبي  صلى الله عليه وسلم عن التبول والبراز في المياه، فقال: «لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائمِ ثم يغتسلُ منه ».
هذا هو المنهج الذي نهجه القرآن الكريم، والسنة النبوية الشريفة في علاج قضايا البيئة الطبيعية، ذكرناه بشكل مختصر.
ثانياً- احترام الموارد الطبيعية:
الإنسان المسلم يحترم الطبيعة ومواردها، ويقدرها، وهذا الاحترام يبعثه في نفس الإنسان: أمران:
الأول: أن آيات الكون بما تحمل من الدلائل، تطبع في عقل الإنسان وضميره أنه لا حد لقدرة الخالق وحكمته وعلمه ... والموارد الطبيعية هي خلق الله، وآثارُ رحمته، وفضله بين أيدينا، وهي أمانة ووديعة عندنا، لذلك كانت جديرة بالاحترام. قال تعالى: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [الأحزاب: 72].
الثاني: أن الإنسان صاحب رسالة عالية في الحياة خالطت فكره ووجدانه، فهو يحيا لها ... وهو يعلم أن تلك الطبيعة بما حوت مسخرة له، لتكون عوناً له على أداء رسالته .
وتعاليم الإسلام تبعث في نفس الإنسان احترام موارد الطبيعة مهما كانت منفعتها قليلة، والمسلم لا يفرق بين مورد اقتصادي كبير أو قليل، فالكل نعمة من الله عز وجل، والكل يستحق التقدير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قتَلَ عُصْفُوراً عَبَثاً عَجَّ إلى الله تعالى يومَ القيامةِ يقولُ: يا ربّ، إنّ فلاناً قَتَلَنِي عَبَثاً، ولم يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَةٍ ». فالقتل هو القتل بالنسبة للعصفور، ولكن اعتراضه أن يقتل في غير منفعة ... ويرشدنا الحديث إلى ضرورة الاهتمام باستغلال الموارد الطبيعية المتاحة بالشكل السليم، وعدم استغلالها في مجالات لا تخدم التنمية الاقتصادية، ولا تحقق العائد الأكثر فائدة عند استخدام الأصل الرأسمالي في موقع لا يتلاءم مع طبيعته التي وجد لها.

ثالثاً- حماية الموارد الطبيعية:
تعد قضية حماية الطبيعة من أبرز التحديات الحضارية لأي مجتمع، ويكاد العلماء أن يتفقوا على أنه لا مستقبل لمجتمع من المجتمعات من دون بيئة نظيفة وخالية من التلوث.
إن التنمية الاقتصادية السليمة للموارد الزراعية لا بد أن تأخذ بعين الاعتبار المحافظة على التربة، والغابات والغطاء النباتي والحيوانات البرية، لما لهذه الموارد من أهمية في التوازن البيئي.
إن كمية الإنتاج تتأثر إلى حد بعيد بكيفية وجود الموارد الطبيعية، وتوزيعها، وبطرق استغلالها واستثمارها. ومن هنا حرص الإسلام على تشغيل الموارد الطبيعية وتنميتها، وعدم تعطيلها عن الإنتاج، فقد حثّ الرسول  صلى الله عليه وسلم على إحياء الأرض الموات بقوله: « مَنْ أحيا أرضاً ميتةً فهيَ لَهُ وليسَ لِعَرَقِ ظَالِمٍ حَقٌّ ». دعا الناس إلى الاستفادة من خيرات الأرض باستصلاحها، وقد طبق ذلك عملياً في الدولة الإسلامية، وذلك حينما أخذ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه من بلال بن الحارث المزني بعض ما أقطعه رسول الله  صلى الله عليه وسلم من الأرض وقال عمر رضي الله عنه  لبلال: ((انظُر ما قَوَيْتَ عليه منها فَأمْسِكْه، وما لم تُطِقْ، وما لم تقوَ عليه فادْفَعْهُ إلينا نَقْسِمْه بين المسلمين. فقال بلال: لا أَفْعَلُ واللهِ شيئ أَقْطَعْنِيهِ رسولُ الله  صلى الله عليه وسلم، فقال عمر رضي الله عنه : والله لَتفْعَلَنَّ، فأخذَ مِنْهُ ما عَجَزَ عن عمارتِهِ فَقَسَمَهُ بينَ المسلمينَ)).
ودعا الإسلام إلى استغلال الأرض حتى لو كلف ذلك الإنفاق عليها من بيت المال، فقد روى يحيى بن آدم عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه كتب لأحد عماله فقال: ((انظُر ما قبلكم من أرضِ الصّافية فأعطوها بالمزارعةِ النصفَ، وما لم تُزْرَعْ فأَعْطُوها بالثُلُثِ، فإن لم تُزْرَعْ فَأَعْطُوْهَا حتى تبلغَ العُشرَ، فإن لم يزْرَعْها أَحَدٌ فامْنَحْها، فإن لم يَزْرَعْ فَأنفق عليها منْ بيتِِ مالِ المسلمين)) .
وقد قيد الشرع حُسن الاستغلال بتحقيق النفع، وقد ضرب الله مثلاً على ذلك لنبي اله  داود عليه الصلاة والسلام، حيث علّمه استغلال خام الحديد، وصناعة الدروع، تحت ظل الإتقان والنفع. قال تعالى: ( وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ , أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) [سبأ: 10-11].
إن سوء استغلال الطبيعة ومواردها ادى إلى مشكلات بيئية خطيرة، ومما يذكر أن الصين كانت قد شنت حملة خلال النصف الثاني من هذا القرن لإبادة العصافير التي كانت تأكل الأرز - الذي يعد محصولها الأساسي - حرصاً منها على زيادة الإنتاج، وحينما فعلت ذلك وحصلت على محصول وفير لبعض سنوات ظهرت الديدان التي كانت تعيش عليها العصافير فأتت على المحاصيل وأبادتها، فخسرت خسارةً فادحةً، عندئذٍ اضطرت لاستيراد العصافير وتربيتها، كي تقيها من شر هذه الديدان.
والله عز وجل خلق الكائنات الحية لتؤدي رسالة معينة، فإن قطعنا الصلة بين هذه الكائنات الحية، وبين الغاية التي خلقت من أجلها أفسدنا من حيث لا نشعر، قال تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ, َلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَـكِن لاَّ يَشْعُرُونَ) [البقرة: 11-12].
ومن حسن استغلال هذه الموارد استخدامها فيما خلقت له، وهذا مطلب هام في التنمية الاقتصادية، لأن الله عز وجل أعلم بخلقه، قال تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) [الملك: 14].
هذا ويمكن تلخيص مظاهر سوء استغلال الموارد الطبيعية فيما يأتي:
1- إتلاف التربة الزراعية أو تدميرها:
لقد تنبهت الدول لوجوب حماية التربة الزراعية، ومنع إفسادها، فأصدرت القوانين التي تحدد فيها أنواع المبيدات الحشرية المسموح باستعمالها في الأراضي الزراعية، وطرائق استخدامها. وقد صدر في فنلدا 1968 قانون يحدد المدة الزمنية التي يجب انقضاؤها بين رش الحقول بالمبيدات، وجمع المحاصيل حتى تخلو من أغلب آثار المبيدات.
إن استخدام الأسمدة الكيماوية على نطاق واسع، وإبادة الغابات وحرقها، أدى إلى مشكلة خطيرة ألا وهي مشكلة التصحر، أو زحف الصحراء على الأرض الزراعية.
وزادت ظاهرة التصحر بسبب زحف الصحراء على الأراضي الزراعية الخضراء الخصبة، وتحويلها إلى أراضٍ قاحلة جدباء. والأضرار الناتجة عن التصحر مخيفة، حيث تؤدي إلى تغيير شامل في البيئة.
فقد أشارت دراسة حديثة لمنظمة الأغذية والزراعة الدولية أن نحواً من 357 ألف كيلو متر مربع من الأراضي الزراعية في الوطن العربي ستضيع تحت فعاليات التصحّر حتى نهاية القرن الحالي، وهذه المساحة تعادل 18٪ من مساحة الوطن العربي ...
وقد حث الإسلام كما رأينا على الزراعة، وشجع على إنتاج المحاصيل والنباتات، ليكافح ظاهرة التصحر, وقد حرم الفقهاء المسلمون إلقاء العذرة (ما ينفصل عن بني آدم) في الأراضي - حفاظاً على البيئة - إذا كانت تضر في الأرض.
2- استنـزاف الموارد المائية وتلوثها:
إن استنـزاف الموارد الاقتصادية - مائية أو معدنية ... - واستخدامها بشكل غير رشيد يؤدي إلى حرمان الأجيال القادمة - التي لها حق مشروع فيها - من هذه الثروات. ويجب على الأجيال الحاضرة أن تترك للأجيال القادمة ما تحتاج إليه من هذه الثروات، وتترك لهم بيئة نظيفة.
وتلويث المياه يكون بوسائل متعددة منها: إلقاء مياه المجاري (الصرف الصحي) فيها، وإلقاء الزيوت والشحوم , ونفايات المصانع , والمواد الأخرى...
وهناك وسيلة حديثة خطيرة جداً ألا وهي استخراج البترول من البحار والمحيطات، مما أدى إلى تلويث المياه، وقتل الثروة السمكية الهائلة، ففي نيجريا أدى استخراج البترول من المياه إلى تدمير الحياة، وإجبار عشرات الآلاف من القرويين على إخلاء قراهم .
3- تلوث الهواء بمختلف الوسائل:
كما في المركبات التي تصدر دخاناً كثيفاً، أو رائحة كريهة ... وتكون نسبة تلويث الهواء في الدول الصناعية كبيرة جداً. وقد وصل تلوث الهواء فيها لدرجات عالية، حتى أصبح الغبار الأسود الذي يلتصق بالضباب هو السمة البارزة في المناخ الجوي لدول الغرب في معظم فصول السنة، وترتب على ذلك نـزول المطر الأسود الذي أحدث ذعراً شديداً في المجتمع الأوربي والأمريكي في ذلك الوقت. وقد أوردت النشرة الدولية الصادرة عن وكالة الطاقة الذرية الدولية في عددها الرابع من المجلد (33) أن تلوث الهواء وحده يتسبب سنوياً بإلحاق أضرار كبيرة بغابات أوربا، حيث قدرت الحدود الدنيا للأضرار بـ 29 مليار دولار سنوياً.
وهكذا نجد في القرآن الكريم والسنة النبوية منهلاً عذباً، ودوراً فاعلاً في حماية البيئة الطبيعية والمحافظة عليها. ففي وجوب المحافظة على الموارد البشرية، والاهتمام بالإنسان الذي يعد أساس التنمية وهدفها يقول تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً) [الإسراء:70].
وفي وجوب المحافظة على الهدوء يقول الله عز وجل: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 19].
ومن خلال النصوص السابقة نجد أن الله عز وجل قد ذكر بعض عناصر البيئة الطبيعية، مرغِّباً في المحافظة عليها تارة، ومرهّباً من تدميرها، وتلويثها تارةً أخرى. وقد جعل الله عز وجل الإنسان هو سبب الفساد بمختلف أنواعه، الأخلاقي، والاجتماعي، والاقتصادي، والبيئي، بقوله تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41]. فقد ذكر الله عز وجل أن فعل الإنسان المعاصي، وفساده صار مانعاً من الزرع، والعمارات والتجارات، وقلة النبات ... والسبيل إلى الخلاص من تلك المشكلات الاقتصادية والبيئية، والأخلاقية ... هو تربية الإنسان، وصياغة نظرته إلى الحياة والمال ... صياغة موضوعية سليمة تتناسب ومنهج القرآن الكريم، وتتفق مع نظرته إلى الكون والحياة، والإنسان، قال تعالى: (إنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ) [الرعد: 11]. وقد جعل القرآن الكريم التغيير النفسي على وفق تعاليم الشريعة سبباً للتغيير الإنساني، ومصدراً للخير والرفاه الاقتصادي.
رابعاً- ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية:
تعد قضية ترشيد استهلاك الموارد الطبيعية من أهم الوسائل العملية لحماية الطبيعة، والمحافظة عليها، ومن ثَمَّ المساهمة في تحقيق التنمية الاقتصادية. وقد اهتم الاقتصاد الإسلامي بهذه القضية، فحثّ الأفراد على الاعتدال في شؤون الحياة كافة، فلا إفراط ولا تفريط، ولا إسراف ولا تقتير. وقد جعل الله عز وجل قضية الترشيد في الإنفاق والاستهلاك من صفات المؤمنين. قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً) [الفرقان: 67] وقال تعالى أيضاً: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ) [الأعراف: 31].
قال ابن عباس: أحل الله في هذه الآية الأكل والشرب ما لم يكن سرفاً، أو مخيلة . وقد اختلف في الزائد على قدر الحاجة على قولين: فقيل حرام، وقيل: مكروه. ولا بد من ملاحظة أن الآيات التي تنهى عن الإسراف وتأمر بالاعتدال في الأكل، ليس المقصود الأكل بذاته فحسب، بل يقصد بالأكل مطلق الانتفاع.
والإسراف في استنـزاف الموارد واستهلاكها يؤدي إلى حرمان الآخرين منها من ناحية، وإلى قصور الإنتاج بشتى صوره عن المتطلبات الأساسية للمجتمع من ناحية أخرى، ومن هنا حرم الإسلام في استهلاك الموارد، والثروات، مهما كان الرزق كثيراً، والخير عميماً. ففي الإسراف إهدار لنعم الله عز وجل، ومضيعة لها، وفي الترشيد والاعتدال محافظة على هذه النعم ودوامها، والانتفاع بها بأحسن صورة.
ويكون الترشيد باستخدام أو استهلاك الموارد حسب الحاجة إليها وبشكل منظم ومخطط. وإذ إنه يوجد ثروات وموارد غير متجددة - كالبترول - تفنى بالاستهلاك بشكل تدريجي، ولكي نستفيد من هذه الموارد ولفترة طويلة يجب علينا ترشيد استهلاكها. وقد أدرك سيدنا يوسف عليه الصلاة والسلام ضرورة ترشيد الاستهلاك لمواجهة الأزمات الاقتصادية قال تعالى: (إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تَأْكُلُونَ) يشير إلى ضرورة الاقتصاد في الاستهلاك. وإلى استخراج ما يحتاجون إليه من القمح، بقدر الحاجة.
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ , وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ) [الأنعام: 141 - 142].
ففي هذه الآيات يربط الله عز وجل بين إيتاء حق الثمار يوم حصادها من ناحية، وبين عطاء الأرض لهذه الثمار، وعدم الإسراف من ناحية أخرى. ومؤدى ذلك أنه جلّ شأنه يقرر أن استمرار عطار الأرض مشروط بالعدل الاجتماعي، والتعاون بين الناس، وعدم الإسراف.
ولا بد من توجيه الإنتاج والاستهلاك الوجهة الصحيحة التي تخدم التنمية، لحماية موارد البيئة الطبيعية من ناحية، وإنقاذ الشعوب التي تموت جوعاً من ناحية أخرى. فكثير من الشعوب لا تجد ما يسد جوعها، وقليل منها يسرف فيما عنده من موارد حتى إنها لتنفقها على الحيوانات، أو تحرقها وتتلفها، لتحرم الآخرين منها.
خامساً - اتباع الوسائل العلمية للمحافظة على الموارد الطبيعية:
لما كان العامل التكولوجي يمثل أهم متطلبات التنمية الاقتصادية في العصر الحاضر، فإن الإسلام قد حث على العلم والأخذ به، وفضل الله عز وجل الذين يعلمون على الذين لا يعلمون. قال تعالى: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ )[الزمر: 9]. ولقد كشف العلم الحديث عن أساليب ووسائل جديدة تؤدي إلى زيادة الإنتاج من ناحية، وإلى المحافظة على الطبيعة ومواردها من ناحية أخرى.
والإسلام لم يحثنا على الأخذ بهذه الأساليب فحسب، بل أوجب ذلك؛ لأن الله عز وجل أمرنا بعمارة هذا الكون، فقال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61] - وكما رأينا سابقاً - أن تحقيق هذه العمارة لا يتم إلا باستخدام تلك الوسائل .
والإسلام يحث المسلم أن يتابع كل جديد في فنون الإنتاج وأساليبه التي تخدم التنمية، والحصول عليها - ما لم يصادم النصوص الشرعية - فعلى الإنسان المسلم أن يستخدم الأساليب والطرق العلمية - مثل استخدام الأسمدة الكيماوية، والمبيدات الحشرية، وقاتلات الأعشاب الضارة، واختيار الأنواع الجيدة من النبات والحيوان والمعادن... للحصول على إنتاج وفير، وطبيعة خيّرة .

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟ 
الاسم :
الدولة :
عنوان التعليق :
نص التعليق :
 
معرض الصور
<<
>>
© 2010 جميع الحقوق محفوظة
Powered by Ten-neT.biz