مقالات وأبحاث تنموية
الدور الاقتصادي للوقف
د. علاء الدين زعتري
الدور الاقتصادي للوقف

               

يعتبر الوقف ظاهرة حضارية تميزت بها الحضارة الإسلامية في عصور ضعفها وقوتها .
وقد قام الوقف بعملية البناء والمشاركة في صنع الحضارة ، بل والمحافظة على كثير من رموزها ، وذلك من خلال توفير العناصر الأساسية لبنائها في ميادينها المختلفة : تربوية ، واجتماعية ، وعسكرية ، واقتصادية ، وإنسانية ، وصحية .

الحضارة تصنعها المؤسسات :
والوقف من أسباب بقاء الحضارة الإسلامية حية فترة طويلة من الزمن ، وذلك من خلال طبيعة الوقف المتجددة.
فقد استطاعت المؤسسات التي أقامها الوقف الاستمرار والبقاء طويلاً دون أن تتوقف عن أداء رسالتها عقب وفاة مؤسسيها .

الوقف مشروع حضاري :

أ‌- المسلمون أوقفوا في المدن المركزية وفي الأطراف :
فعمت الأوقاف جميع المدن ، وشملت منفعتها كل الفئات الاجتماعية ، وهذا أمر له دلالة على ما تتمتع به الأمة الإسلامية من تسامح ، وهي سمة من سمات الحضارة الإسلامية المبنية على عدم التمركز .
فالازدهار الحضاري الذي عرفته بخارى وطشقند وسمرقند وصولاً إلى مراكز الفقه والثقافة في الأندلس غرباً ، كان في حالة موازاة ، ولم يتفوق على ما كان في المركز في بغداد مثلاً .

ب‌- عدم التعصب في نطاق الحضارة الإسلامية لطائفة أو لطبقة أو لمنطقة :
وهذا ما يبرز – خاصة – في المدارس والمكتبات والمنشآت الاجتماعية ، فقد جعل ذلك من الارتقاء الاجتماعي في الإسلام مفتوحاً لكل الناس بما أتاحته أساليب الوقف .
إذ لم تفرق أموال الوقف بين جنسية وأخرى ، أو بين طبقة وأخرى ، بل سهلت للجميع الوصول إلى أقصى المراتب العلمية والاجتماعية والسياسية .

جـ - الحضارة الإسلامية من صنع الأمة :
أثبت الوقف أن الحضارة تصنعها الأمة ، فلا تحتكر قيامها فئة أو طبقة من المجتمع ، وإنما يصنعها المجتمع كله.
والوقف كان المؤسسة الأم التي مولت صناعة أمتنا لهذه الحضارة ، وهكذا أتيح للأمة بمختلف عناصرها وتياراتها أن تساهم في تطور الحضارة الإسلامية .
فلم تكن الدولة هي الفاعل الوحيد ، بل شاركها – المجتمع الأهلي – بكافة جوانبه ، وكانت الأمة حاضرة .
من هنا فإن الحديث عن أي مشروع لبعث الحضارة الإسلامية ، لا بد أن يعتني بتصحيح الخلل الذي حدث في العلاقة بين الدولة والأمة .
وليعود للمؤسسات الأهلية والتطوعية والخيرية دورها الفاعل ، وفي مقدمتها الوقف .

أهمية الوقف في التنمية الاقتصادية :
تقوم فكرة الوقف على تنمية قطاع ( ثالث ) متميز عن كل من القطاع الخاص ، والقطاع الحكومي .
وتحميل هذا القطاع مسؤولية النهوض بمجموعة من الأنشطة هي – بطبيعتها – لا تحتمل الإدارة الحكومية ، كما أنه يفيد إبعادها عن الدوافع الربحية للقطاع الخاص .
هذا وذاك لأن طبيعة هذه الأنشطة تدخل في إطار البر والإحسان والرحمة والتعاون ، لا في قصد الربح الفردي ، ولا ممارسة قوة القانون وسطوته .
فالوقف هو إخراج لجزء من الثروة الإنتاجية في المجتمع من دائرة المنفعة الشخصية ودائرة القرار الحكومي معاً ، وتخصيص لذلك الجزء لأنشطة الخدمة الاجتماعية العامة .
ولقد قررت الشريعة أن هذه الأنشطة والخدمات هي حاجة بشرية لا تقتصر على المجتمع الإسلامي فقط بل هي لغير المسلمين أيضاً .
ولقد بلغ من عدل الشريعة أنها قررت أنه يصح أن يوقف غير المسلم على ذريته ، وله أن يشترط أن يُستبعد من الانتفاع بالوقف من يسلم منهم . 

دور الوقف في الحياة الاقتصادية :
وإذا نظرنا إلى طبيعة ثمرات أو منافع أو إنتاج الثروة الموقوفة ، فإنه يمكن تقسيم الأموال الوقفية إلى نوعين هما :
الوقف الاستهلاكي : أموال تنتج خدمات استهلاكية مباشرة للغرض الموقوفة عليه ، مثال ذلك المدرسة والمستشفى ودار الأيتام ، والمسكن المخصص لانتفاع الذرية .

وهذا النوع من الوقف يمكن أن يكون غرضه وجهاً من وجوه الخير العامة كالمدرسة للتعليم ، أو وجهاً من وجوه البر الخاصة كمسكن الذرية ، ويقصد منه إشباع حاجات الناس .
الوقف الاستثماري : أما النوع الثاني من أموال الوقف فهو ما قصد منه الاستثمار في إنتاج أية سلع وخدمات مباحة شرعاً ، تباع في السوق ، لتنفق عوائدها الصافية أو أرباحها على أغراض البر التي حددها الوقف ، سواء أكانت دينية أو خيرية عامة أم أهلية خاصة ( ذرية ) ، ويقصد منه زيادة موارد الناس .
وما بين سد الاحتياجات وتنمية الواردات يصل المجتمع إلى حل المشكلة الاقتصادية .

التراكم التنموي في الوقف :
إن طبيعة الوقف ومعظم صوره ، يجعل من الوقف ثروة استثمارية متزايدة .
فالوقف في أصله وشكله العام ثروة إنتاجية توضع في الاستثمار على سبيل التأبيد ، يمنع بيعه واستهلاك قيمته ، ويمنع تعطيله عن الاستغلال ، ويحرم الانتقاص منه والتعدي عليه .
إذن فالوقف ليس فقط استثماراً من أجل المستقبل أو بناء لثروة إنتاجية ، بل هو استثمار تراكمي أيضاً يتزايد يوماً بعد يوم ، بحيث تضاف دائماً أوقاف جديدة إلى ما هو موجود وقائم من أوقاف قديمة ، دون أن ينتقص من القديمة شيء .
ولقد كان الوقف يتزايد في تاريخنا ، حتى في عصور الانحطاط والتمزق .
ولا شك أن الشرط الضروري لاستمرار تزايد الوقف هو استمرار عملية تحبيس الثروات المنتجة من قبل الناس ، أو إنفاق جزء من إيرادات الوقف على أغراض تطوير وتحديث الوقف.
ومع ذلك فقد اتفق العلماء على أن الوقف المؤبد يجب أن ينفق على صيانة أصله من إيراداته ، حتى ولو لم ينص الواقف على ذلك .
معنى هذا أن الشريعة تبغي المحافظة – على الأقل – على أصل مال الوقف وعلى قدرته على الإنتاج المستمر .
غير أن ثمة عاملاً آخر ، برز منذ أوائل القرن العشرين وأدى أيضاً إلى تزايد ملحوظ في القيمة الإنتاجية للتراكم الوقفي الموروث من الماضي .
وهذا العامل هو التزايد السكاني والنمو الاقتصادي معبََّراً عنه بتزايد حجم الإنتاج القومي .
وذلك لأن معظم الأموال الوقفية الموروثة من الأجيال الماضية موجودة فيما صار اليوم من أفضل وأحسن المناطق السكنية والتجارية بالنسبة لأوقاف المدن ، وأخصب الأراضي الزراعية وأقربها لمراكز التسويق بالنسبة للأوقاف خارج المدن .
وقد ساعد على ارتفاع القيمة الإنتاجية لكثير من الأوقاف المتراكمة التطور الكبير في تكنولوجيا البناء الذي جعل التوسع العمودي في المباني ممكناً ، مما زاد كثيراً في القيمة التبادلية للأراضي الموقوفة في المدن .

بل إن كل ذلك أدى إلى التطلع إلى إعادة تشكيل بعض الأموال الوقفية المباشرة ، كالمساجد والمساكن ، بحيث ينقض البناء القديم ويبنى بدلاً منه بناء متعدد الأدوار ، يستعمل أحدها مسجداً أو مسكناً للموقوف عليهم ، ويستغل الباقي استغلالاً استثمارياً يعود نفعه على غرض الوقف نفسه .

أثر الوقف في التنمية الاقتصادية المعاصرة :
ينبغي أن يتوسع في نظام الوقف :
أفقياً : بتوسيع الموقوف من العقارات والمنقولات .
ورأسياً : بالإفادة وتطوير وتنمية الأوقاف لنجني عائدها الاقتصادي في قضايا وحاجات المجتمع.
فليست حاجات المسلمين تنتهي في وقف مسجد أو جامع أو مدرسة بل تتعدى ذلك لتشمل جميع أبواب البر والخير ومساعدة المحتاجين وتوفير سبل العيش أمام الشعوب المغلوبة على أمرها .
يمكن أن تتجلى مظاهر وآثار الوقف الاقتصادية في الآتي :

السعي في إيجاد أصول ثابتة لصالح المجتمع :
من أبرز مزايا هذا العصر أنه عصر التقدم العلمي والسبق في جميع مجالات المعرفة حيث عرف العالم المعاصر كيفية وضع الاستراتيجيات والخطط التي تؤدي إلى التنمية ومجابهة كافة المخاطر التي تحدق بالمجتمع .
وإن من أخطر ما يجابه المجتمعات تلك الكوارث والأزمات من مجاعات وفيضانات ووبائيات وزلازل .
ولذا ينبغي أن يستفيد نظام الأوقاف من هذا التقدم والتطور التقني بتأسيس منظمات ومؤسسات
وقفية في جميع مناحي الحياة ومتطلباتها بحيث ترد ريعاً كبيراً على الأمة وتكون أصولاً ثابتة لصالح المجتمع .

تقليل صرف الميزانية العامة :
إذا كانت الخزينة العامة في الدولة لها موارد دخل مالية محدودة : أموال الزكاة والجبايات والصناعات والتجارة وضرائب ورسوم ونحو ذلك ، نجد أن أوجه الصرف غير محدودة بل هي متجددة لأن حاجيات الإنسان لا تُشبع ، وتطلعاته لا تقف عند حد ، ففي كل يوم يظهر له ابتكار يستلزم صرفاً مالياً ، فهذا يوجب إيجاد موارد دخل جديدة لتقابل هذا الصرف .
وهنا تظهر أهمية الإفادة من الأوقاف وتطويرها وتوظيف المشروعات الخيرية التي تخفف الصرف على ميزانية الدولة .
وذلك مثلاً في النواحي الصحية ببناء المستشفيات والمراكز الصحية والمستوصفات وتوفير الدواء والعلاج والتشخيص مجاناً أو بأسعار رمزية .

وبإنشاء دور التعليم من مدارس قرآنية ومدارس نظامية وجامعات ومعاهد .
وكذلك الوقف في المصانع التي تنتج الغذاء والنسيج والدواء ومختلف الصناعات .
فإذا شملت الأوقاف ذلك فهذا يوفر على الميزانية مبالغ كبيرة مما يؤمن جانب القدرة على تأمين حياة سعيدة للشعوب ويجنب العجز في الموازنة .
لقد تعقدت الحياة المعاصرة جداً وأصبح المجتمع يحتاج إلى كثير من الضروريات ، والحكومة لا تستطيع توفير ذلك كله فكان لا بد من الاستفادة من أموال الخيرين من أثرياء الأمة في تمويل كثير من مشروعات التنمية الاجتماعية وذلك حتى يتم سداد ذلك النقص .

إيجاد فرص عمل والتخفيف من حدة البطالة :
إن الإنتاج والتنمية تحتاج إلى مزيد من الجهد والتكاتف والتعاضد لتبني الأمة مجدها بمشاركة الجميع ، دون تقسيم الناس إلى عامل منتج ومتفرج متحسر .
والمشروعات الوقفية تساعد في إيجاد فرص العمل وذلك حين ينضم إليها مؤسسون ومنفذون وعاملون وفنيون ، والعالم يعيش زمن المعاناة من زيادة نسبة البطالة وقلة الوظائف والأشغال .
والمؤسسات الوقفية تزيد في الدخل والإنتاج وتساعد الأسر الفقيرة والضعيفة بما يأتي إليهم من عائد مادي نظير عملهم إذا كانوا عاملين فيها ، أو يأتيهم الريع إن كانوا تحت قائمة الموقوف عليهم .
وهذه حقيقة لو أدركها أصحاب الثروات والأموال ممن لهم غيرة على شعوبهم وبني جلدتهم لما توانوا في وقف العقارات والمنقولات وتأسيس الشركات حتى تستوعب هذا الكم الهائل من الخريجين والمهنيين والفنيين وكان في ذلك صلاح للعباد والبلاد .
ولنستفيد من طاقات الشباب المتفجرة وعلمهم الذاخر ، ولا نتركهم للبطالة فيقضى على طاقاتهم وعلومهم ، وحتى لا تخسر الأمة جيلاً نابضاً من أجيالها .
أو نعرضهم للهجرة الداخلية أو الخارجية .

حماية الأموال من الإسراف والتقتير :
وأخيراً فإن في الوقف حماية للأموال الخاصة من الإسراف في استهلاكها ، أو التقتير في حبسها ، وتفعيلاً لهذه الأموال في خدمة المجتمع وقضايا الأمة .
قال تعالى : ( والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً ) . [ الفرقان : 67 ]
وقال تعالى : ( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً ) . [ الإسراء : 29 ]

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟ 
الاسم :
الدولة :
عنوان التعليق :
نص التعليق :
 
معرض الصور
<<
>>
© 2010 جميع الحقوق محفوظة
Powered by Ten-neT.biz